اسد حيدر
473
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
كان يقول : إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة ، فقال أبو جعفر : فما تقول فيما قال كعب ؟ فقال الرجل : صدق كعب ، فقال له أبو جعفر : كذبت وكذب كعب الأحبار معك ، وغضب . قال زرارة : ما رأيته استقبل أحدا بقوله كذبت غيره . وكان عليه السّلام إذا دخل مكة انثال عليه الناس يستفتون عن أهم مسائل الحلال والحرام ، ويستفتحون أبواب مشاكل العلوم ويغتنمون فرصة الاجتماع به ليزودهم بتعاليمه ، وإذا أقام بمكة عقدت له حلقة ينضم فيها طلاب العلم بل علماء الأمة ، وحج هشام بن عبد الملك فنظر إلى اجتماع الناس حوله وحضور العلماء عنده فثقل عليه ذلك ، فأرسل رجلا من أصحابه وقال له : قل له يقول لك أمير المؤمنين ما الذي يأكله الناس ويشربونه في المحشر إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة ؟ فلما سأله الرجل قال له الإمام الباقر : يحشر الناس مثل قرص النقى « 1 » فيها أشجار وأنهار يأكلون ويشربون منها حتى يفرغوا من الحساب . فقال هشام للرسول : اذهب إليه فقل له يقول : ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ ؟ فقال أبو جعفر : هم في النار أشغل ولم يشتغلوا عن أن قالوا : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه ، فسكت هشام ولم يظفر بما أراد من سؤاله للإمام فإنه سؤال امتحان لا استفادة . ودخل عليه رجل من الخوارج فقال له : يا أبا جعفر أي شيء تعبد ؟ فقال عليه السّلام : اللّه . قال الرجل : رأيته ؟ قال : بلى ، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يعرف بالقياس ، ولا يدرك بالحواس ، ولا يشبه بالناس ، موصوف بالآيات ، معروف بالدلالات ، لا يجوز في حكمه ، ذلك اللّه لا إله إلا هو . فخرج الرجل وهو يقول : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته . ودخل عليه عثمان الأعمى من أهل البصرة وقال له : يا ابن رسول اللّه إن الحسن البصري زعم أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم النار ، فقال أبو جعفر : إذا هلك مؤمن آل فرعون واللّه مدحه بذلك .
--> ( 1 ) النقى كغنى . قال في النهاية الحديث يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء كقرصة النقى يعني الخبز الحواري .